نهاية «الإرهابي» السعيدة في السويد

مضر مثنى مجيد
مضر مثنى مجيد

ستوكهولم-  صوت السويد/كتب قيس قاسم  تقريرا عن مضر مثنى مجيد…ذلك الاسم الذي تردد كثيراً في معظم وسائل الإعلام السويدية والعالمية. وفي لحظةٍ صار صاحبه العراقي «المطلوب رقم واحد» بالنسبة الى مخابرات دول. أما حكومة السويد وأجهزة أمنها فتعاملت معه كـ «إرهابي» يشكل وجوده على أراضيها خطراً جدياً يهدد أمنها القومي. لذلك سارعت الى إلقاء القبض عليه في معسكر لإيواء اللاجئين تابع لمدينة بوليدن الشمالية. ولم تتوصّل التحقيقات معه الى نتيجة تؤكد صحة التهم الموجهة اليه ولم تعزز من قوة الشكوك التي حامت حوله، ومبعثها الأساسي صورة نُشرت له على صفحات الانترنت تشير الى أنه إرهابي مفترض يخطط للقيام بعمليات إرهابية داخل السويد. فقرّر الادعاء العام بعدها إطلاق سراحه وإرجاعه الى المعسكر. القصة عند هذا الحد معروفة للجميع، ولكن غير المعروف منها هو تكملتها وكيف أمضى طالب اللجوء بقية وقته. وبالنسبة اليه كان السؤال الأهم هو: «مَن أخذ له تلك الصورة ونشرها ولماذا»؟ وعلى تلك الأسئلة أسس الوثائقي التلفزيوني السويدي «الوطن الأم» فكرته وسعى الى توسيعها، عبر ملازمة طويلة لطالب اللجوء العراقي القادم من الموصل بعد دخول «داعش» اليها، وفرت له إمكان التعبير عن مشاعره وحيرته من المجهول الذي ينتظره.

خوفاً على والدته من الصدمة كان يتعمد الإجابة عن اتصالاتها التليفونية بعموميات ليطمئن قلبها عليه. أما أمام الكاميرا وفي حواراته مع زملائه في المعسكر فكان ينقل خوفه على عائلته وخوفه من الصمت الذي يحيط به وبقضيته. فلا أحد يجيب عن السؤال الملحاح؛ ماذا سيحدث بعد ذلك لهذا الشاب؟ ينقل الوثائقي جزءاً من يوميات العراقي في المعسكر وعلاقاته مع الآخرين وكيف يمضي وقته بينهم. لم يكن وحيداً في الشمال البارد المعزول، ساعدته منظمات إنسانية سويدية على فك عزلته ووجدت له من بينهم صديقاً تعاون معه بعد مدة على تأليف كراس لتعليم العربية بالسويدية البسيطة.

لغته الإنكليزية ساعدته على التفاهم معه جيداً ومع بقية الموجودين في المعسكر، ومع ذلك كان يحرص على تعلم السويدية. مشكلته الأكبر كانت تتمثّل في أوقات الفراغ الطويلة وكيفية استثمارها في شكل صحيح، لأنه ومن دون الحصول على تصريح إقامة لا يمكنه الحصول على عمل. وفي العراق، تلحّ عليه والدته لترتيب وضعه، لأنّ الآمال للخلاص من الرعب الذي تعيشه عائلته في الموصل منوطة بحصوله على الإقامة والعمل.

كانت الأيام تمضي والفصول ومن معه يحصلون على ما جاؤوا من أجله أما هو فلا أحد يجيب عن طلبه، ما كان يزيد من وحشة المكان وثقل الوقت عليه.

يكشف الوثائقي من دون علمه؛ أن طلب حصوله على حق الإقامة متوقف بسبب إدراج فرنسا اسمه ضمن قائمة «المحتجزين». لم تخبره دائرة الهجرة بتلك الحقيقة وحين قام المحامي بمفاتحة الجهات الفرنسية أُعلم بأن الشخص المحتجز اسمه عندهم لم يعد مطلوباً في السويد، ومع ذلك طال انتظاره أشهراً.

مثله مثل غيره من المهاجرين يتابع مضر مثنى أخبار بلاده عبر الانترنت، وسيلة اتصاله الوحيدة مع أهله. أما داخل المعسكر فأقام علاقات اجتماعية طيبة سهلت عليه وضعه. وفي مرحلة لاحقة سيقبل صاحب محل «بيتزا» من العراق يعمل عنده متطوعاً.

يستغل الوثائقي علاقاته ليوسع من موضوعه فيقابل عدداً من العوائل المهاجرة وغالبيتها من العراقيين، مضى عليهم سنوات في انتظار الحصول على حق الإقامة، وبعضهم حصل أولادهم عليها قبلهم وبسببها انقسمت العائلة الواحدة. ما ينقله الوثائقي يكشف عن حجم معاناة كثيرين من المهاجرين المنسيين في معسكرات موقتة لسنوات لا أحد يجيب عن طلباتهم أو يكشف لهم الغموض الذي يحيط بهم. لهذا تراهم- وحالما يقابلون عدسة الكاميرا- يجهشون بالبكاء على عمر مضى هباء في انتظار غير مفهوم!

خلال تلك الفترة كان اسم المتهم المبرأ يظهر ويختفي في وسائل الإعلام، لكنّ مطالبته الحكومة السويدية بدفع تعويضات مادية (مليون كرونة سويدية) عن الأضرار التي لحقت به أخذت مساحة أكبر وعاد موضوعه للنقاش، ومع ذلك ظلت الحياة في المعسكر البعيد على طبيعتها حتى جاءت اللحظة المنتظرة حين نقلت له موظفة في دائرة الهجرة قراراً بمنحه حقّ اللجوء في السويد بعد رفع اسمه من قائمة الحجز الفرنسية.

مثل الآخرين، ركض لإخبار أهله بالعراق وشكر مهنئيه من سكنة المعسكر، غير أن سؤال الصورة لم يتركه وبمعونة صديقه السويدي راح يعيد «تمثيل» القصة الافتراضية التي ترجح أخذ أحد المهاجرين المقيمين معه في المعسكر، ومن الذين كانوا يدخلون شقته صورة له بالتلفون المحمول من دون علمه وقام بنشرها على صفحات الانترنت لأسباب يجهل دوافعها. لم يكشف عن اسم صاحب «المكيدة» لعدم تأكده بالكامل منه وترك أمر التثبت من صحة تخميناته مفتوحاً. قرار حق الإقامة حُدد بثلاث سنوات فقط ومع ذلك يستعد المتهم السابق بـ «الإرهاب» لمعادلة شهادته حتى يتمكن من دخول الجامعة. الى هنا يترك الوثائقي مضر مثنى ويترك قصته مفتوحة على كل الاحتمالات!
الحياة……المزيد

You may also like...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

 
error: Content is protected !!