صرخات الفلسطينيين اللاجئين الحاملين لوثائق سفر صادرة من سوريا

اللاجئين فى السويد
اللاجئين فى السويد

ستوكهولم –  صوت السويد/مقال بقلم / د. عبد الحميد صيام
صرخاتهم عبر المحيط وصلت إلى مسامعي. مجموعة من الفلسطينيين اللاجئين الحاملين لوثائق سفر صادرة من سوريا تقطعت بهم السبل، فوجدوا أنفسهم عالقين في السويد، حيث قررت سلطة الهجرة ترحيلهم لعدم استيفاء شروط اللجوء، لكنهم لم يعثروا على بلد يستعد لاستقبالهم.
فلا بلد اللجوء يحتضنهم ولا بلد العمل يعيد النظر في عقودهم الملغاة، ولا بلد اللجوء الأصلي على استعداد لإعادتهم مؤقتا بالوضع القانوني السابق نفسه، ولا بلد المنبت الأصلي يستطيع استقبالهم بسبب قوانين الاحتلال التي حصرت الفلسطينيين في سكان الضفة الغربية وغزة.
تذكرت وأنا أتحدث مع بعض العالقين في السويد فيلم «الحدود» للفنان السوري دريد لحام والكاتب المرحوم محمد الماغوط الذي أنتج عام 1984. تدور أحداث الفيلم بشكل رمزي حول معاناة عبد الودود (الفلسطيني) العالق على الحدود بين غربستان وشرقستان، بعد أن فقد جواز سفره، فلا الدولة الذاهب إليها تسمح له بالدخول ولا الدولة التي غادرها تقبل أن تعيده وينتهي به المطاف في خيمة على الحدود. ولأن هذا العالق على الحدود ذكي وخفيف ظل ينتهي به الأمر ليصبح صديقا لضباط الحدود والمهربين ورعاة الأغنام، ويتحول إلى قضية رأي عام يتوافد عليه الكتاب والصحافيون وممثلو الأحزاب والمرشحون للبرلمـــــان، ليعلنوا التضامن معه ويهتفون بصوت عال «لا حدود بعد اليوم» ثم يجتازون الحدود عائدين إلى بيوتهم، وعندما يحاول أن يلحق بهم ويعبر الحدود يوقفه الضباط الذين كانوا يشاركون في مهرجان التضامن معه، بينما سمح للديك والأفعى والطيور والماعز أن تجتاز الحدود دون أوراق ثبوتية.
يكاد يتكرر فيلم «الحدود» في أكثر من مطار وأكثر من بلد وأكثر من نقطة عبور. ولا أدل على هذه المعاناة من مأساة آلاف العالقين على معبر رفح، الذي حول كل سكان غزة إلى مليوني عبد الودود اجتيازا أو عبورا، ثم لا ننسى ما فعله العقيد القذافي الذي طرد عام 1995 آلاف الفلسطينيين من ليبيا ورماهم في الصحراء، عالقين على الحدود بين ليبيا ومصر لمدة تزيد عن السنتين، لا مصر تدخلهم ولا ليبيا تعيدهم، فوقع المئات منهم ضحايا للبرد والمرض. أما ذكريات مخيم رويشد على الحدود العراقية الأردنية لمن طردوا أو هربوا بجلودهم من العراق، بعد الاحتلال الأمريكي وعلقوا على الحدود أكثر من سنتين، فما زالت حية في الأذهان، وهزت مأساتهم ضمائر العالم، فتم توزيعهم على دول بعيدة مثل البرازيل وتشيلي وآيسلندا وكندا ونيوزيلندا، إضافة إلى ما حدث لأفراد فلسطينيين في مطارات دبي والشارقة والخرطوم وغيرها.
عندما سمعت عن معاناة بعض العائلات الفلسطينية في السويد قررت متابعة الموضوع، وقرأت الكثير من القصاصات حول مأساتهم. لا أحد يعرف عدد العائلات بالضبط لكنها تتراوح بين 27 و 70 عائلة، رمت بهم الأقدار بطرق شتى إلى السويد فتنفسوا الصعداء وظنوا أنها الجنة الموعودة، وأن سنوات العذاب والضياع والتشرد انتهت لأنهم الآن يعيشون في بلد يسوده القانون ويتفاخر بحرياته الأساسية واحترامه لحقوق الإنسان واشتهاره بتقديم يد العون للمنظمات الإنسانية والإغاثية في كل مكان لكنهم صدموا عندما قررت السلطات ترحيلهم. سيرين أم لطفلين (9 و 6 سنوات) وكانت تحمل وثيقة سفر للفلسطينيين المقيمين في سوريا، وهي أصلا من بلدة صفد المحتلة منذ عام 1948، وليس لديها أي جواز سفر آخر. أنهت إحدى دول الخليج عام 2014 عقدها وعقد زوجها المهندس، حيث كانت تدرس اللغة الإنكليزية فلم تجد مكانا تذهب إليه إلا اليونان، ومن هناك حصلت على تأشيرة شنغن ودخلت السويد. أما زوجها فعاد إلى نابلس بالضفة الغربية لأن لديه هوية فلسطينية تؤهله للإقامة تحت الاحتلال، ولكن لا تسمح بجمع شمل العائلة. تمزق شمل العائلة وظنت سيرين أن هذا الإجراء الاضطراري سيكون مؤقتا إلى أن تحصل على الإقامة في السويد. بدأت إجراءات اللجوء لكنها فوجئت بالرفض والترحيل إلى البلد الخليجي الذي جاءت منه وولد فيه طفلاها. قالت ردا على القرار: يا ليت ذلك ممكن، بل إنه مستحيل. وذهبت إلى سفارة هذا البلد وقابلت السفير الذي قدم لها رسالة مروسة وموقعة تنص على أن الدولة ليست على استعداد لاستقبالها، لأنها ليست مواطنة وليس لديها عقد عمل ساري المفعول. قدمت الرسالة لدائرة الهجرة. وبعد شهور واستشارات قالت لها الدائرة: بما أن السويد اعترفت بدولة فلسطين، وبما أنك فلسطينية إذن هناك دولة يجب أن تسمح لك بالعودة. «ولكن هذه الدولة واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي وإسرائيل هي التي تقرر من يدخل ومن لا يدخل، وبما أنني لا أملك هوية مواطنة هناك فلا سبيل إلى عودتي إلى فلسطين. وأبوس أياديكم إذا بإمكانكم أن تعيدوني إلى فلسطين ليجتمع شمل العائلة وتعود بنتي وابني إلى أحضان أبيهما». قالت لضابط الهجرة، ثم ذهبت إلى سفارة فلسطين فقدموا لها رسالة رسمية بأنها لا تستطيع العودة إلى فلسطين في ظل الظروف الحالية بسبب الاحتلال. أعادت محكمة الهجرة الأوراق إلى دائرة الهجرة للبت في أمرها وبقيت الأمور عالقة لغاية الآن. «تصور القلق الذي أعيشه أنا وولديّ لأننا لا نعرف ما هو مصيرنا»، قالت وهي تودعني على الهاتف. شاب آخر من لاجئي سوريا، آثر عدم ذكر اسمه، تم إنهاء عقده من بلد خليجي آخر، وحسب القانون يجب أن يغادر البلاد، ولم يكن قادرا على العودة إلى سوريا بسبب النزاع المسلح. أما زوجته فكانت عالقة داخل سوريا ولا تستطيع أن تغادر البلاد، حيث أوصدت الحدود المحيطة بسوريا أمام اللاجئين الفلسطينيين. وصل السويد عام 2014 وتقدم بطلب لجوء أسوة ببقية المهاجرين. فوجئ بقرار ترحيله إلى البلد الذي أنهى عقده. فقدم لهم وثائق إلغاء العقد ورسالة رسمية من السفارة بأنه غير مسموح له أن يعود إلى ذلك البلد بسبب انتهاء عقده.

وأثبت أنه يحمل وثيقة سفر فقط ولا يوجد بلد على استعداد لاستقباله. أخذ الأمر من محكمة إلى أخرى حتى وصل محكمة الدولة العليا ثم إلى محكمة الاتحاد الأوروبي والتي رفضت طلبه أيضا بحجة أنه «من غير جنسية» وأن اللجوء يمنح لمن يحمل جواز سفر ويتمتع بجنسية بلد، لكنه لا يستطيع العودة إلى هذا البلد بسبب الظروف الأمنية والنزاع العسكري والأخطار التي قد تلحق بالشخص في ما لو قرر العودة. وقد تم وضع الشخص في معسكر خاص بالترحيل وما زالت السلطات السويدية تبحث عن مكان لترحيله إليه. ومن المؤكد أن البحث سيطول.
اتصلت بالسفارة الفلسطينية في استوكهولم وتكلمت مطولا مع محمد ربيع نائب السفير. فشرح بإسهاب نظام الهجرة المتشدد في السويد، خاصة بعد تدفق مئات الألوف من المهاجرين في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، بسبب سهولة اللجوء والامتيازات التي تقدم لطالب اللجوء بعد تسجيله وتصنيفه. اضطروا مؤخرا بسبب أزمة المهاجرين في أوروبا إلى التضييق على قبول مهاجرين جدد أو منح المهاجرين الذي وصلوا البلاد إقامة دائمة. وقال إن دائرة الهجرة تعمل باستقلالية تامة ولا تأخذ أوامر من أحد، حتى ولا من رئيس الوزراء. «إنهم يتعاملون مع الورق وليس مع البشر. يمحصون الأوراق بدقة وإذا لم تكتمل كما يطلبون يرفض الطلب، وليس مهما لديهم أن هناك مأساة إنسانية وراء هذا الطلب، وأن مصير أطفال وعائلات تعتمد على قبول هذه الأوراق». وأكد أن السفارة لا تستطيع أن تتدخل لكنها تساعد الفلسطينيين بقدر الإمكانيات أثناء المعاملات. وقال إن عرضنا للموضوع أمام وزارة الخارجية يعتبر هنا تدخلا في شؤونهم الداخلية واعتراضا على قوانينهم. ونحن نقدر موقفهم السياسي واعترافهم الشجاع بدولة فلسطين، ورفع مستوى التمثيل إلى سفارة، ولذلك نعمل لمساعدة الفلسطينيين العالقين في السويد بهدوء إلى أن تستقر أمورهم.
إذن هذا هو قدر الفلسطيني الذي لا يحمل جواز سفر رسمي صادر عن بلد معترف به. وكأن الذنب ذنبهم والخيار خيارهم. ونحن نسأل لماذا لا يجد النظام العربي حلا مناسبا وإنسانيا لإقامة الفلسطينيين إلى أن يعودوا إلى ديارهم؟ ألا يتسع هذه الوطن العربي من محيطه إلى خليجه حفنة من المشردين العالقين على الحدود أو في المطارات أو المعابر بدل توزيعهم على أقطار الأرض؟ أما حان الوقت للتوقف عن التشدق بدعم فلسطين وقضيتهم، في الوقت الذي يقتلع العديد منهم من دياره وأرضه ووظيفته وحلمه ويحاول أن يعثر على شيء يدل على هويته فلا يجد إلا «دمه الذي يتسلق الجدران» وعذاباته التي تتسع لهذا الكون؟ فإلى متى؟
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط
بجامعة رتغرز بنيوجرسي…المزيد

تابعونا على الفيسبوك

https://www.facebook.com/Sveriges.Rost1/

سجل رأيك من هنا

للحصول على فرصة عمل في السويد ومتابعة عشرات من فرص العمل التي تناسب خبراتك من هنا

http://germanyinarabic.com/archives/category/work

الدراسة والمنح الدراسية في السويد
http://sverigesrost.se/archives/category/study-in-sweden

مواقيت الصلاة في جميع مدن السويد
http://sverigesrost.se/timesprayer

صفحة الوسيط لفرص العمل في الخارج على الفيسبوك

 

You may also like...

error: Content is protected !!