السويد.. تشكو المهاجرين أم تشكرهم؟

دائرة الهجرة السويدية
دائرة الهجرة السويدية
ستوكهولم – صوت السويد /بقلم / محمد عيدروس
رغم الزخم الهائل من المهاجرين القادمين من مختلف أقطار العالم إلى الأراضي الأوروبية، والدعوات إلى إيقافهم بسبب التداعيات الاقتصادية التي تتكبدها دول الاتحاد، إلا أن الوضع مختلف عند بعض تلك الدول.

اضغط هنا لمتابعة جميع اخبار وامساكية ووصفات شهر رمضان ٢٠١٧ في السويد

فعلى سبيل المثال، السويد دولة لها تاريخها في استقبال المهاجرين منذ القدم، ما يطرح تساؤلاً حول سر انفتاح هذه الدولة وقيامها باستقطاب مئات آلاف المهاجرين بعيدا عن المخاوف الأوروبية المعتادة.

وعند التمعن والنظر نجد أن مساحة السويد كبيرة جداً مقارنة بتعداد سكانها، إضافةً إلى ذلك موقعها الجغرافي القريب من القطب المتجمد، ولهذا فهي في أمس الحاجة إلى هؤلاء السكان لبناء مجتمع تستمر الحياة فيه، لتتحقق بذلك “المنفعة المتبادلة” كما يقال.
التنوع الديمغرافي للمهاجرين أحدث فرقاً شاسعاً في التعرف على ثقافات الشعوب وعادتهم ليس فقط على الصعيد الاجتماعي وإنما التجاري أيضاً.

نغوص أكثر في عمق السويد لنصل إلى بلدة فيمربي (Vimmerby) التي تعتبر نموذجا مصغرا عن هذا البلد الإسكندنافي العريق، فهذه البلدة التي تقع ضمن مقاطعة كالمار أثر فيها المهاجرون كثيرا كحال بقية المدن، ونرى أن بصمتهم في تنمية المدينة والمدن الريفية الأخرى باتت واضحة للعيان.

وعند زيارتك لها ترى الفرق الكبير الذي أحدثه المهاجرون في تنشيط الحركة التجارية وتخفيف الحمل على كاهل الحكومة في بناء وتعمير المدينة، علماً أن تلك المدن كانت في الحقيقة تعاني من النقص الحاد في مختلف احتياجاتها وخاصة منافع المواطن اليومية والشخصية.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر نجد أن المواطن السويدي في إحدى هذه المدن عندما يحتاج إلى أي أمر من متطلباته الشخصية واحتياجاته العائلية والمنزلية يضطر للسفر لمسافات بعيد حتى يحصل على مبتغاه، مما يدفعه للعيش في المدن الكبرى التي يتكدس فيها البشر وتقل فيها الفرص وترتفع فيها كلفة الحياة.

هذه الصورة اختلفت تماما بعد موجات الهجرة، ولكن كيف تم ذلك؟ معظم المهاجرين سكنوا هذه المناطق النائية وذلك بفضل وعي الحكومة وتهيئتها أجواء المعيشة هناك لأن المدن مكتظة ولا تتحمل المزيد، ليعقب ذلك انتعاش اقتصادي في القرى والأرياف، حيث قام المهاجرون والسكان الأصليون بتفعيل الاستثمارات وفتح المشاريع الصغيرة لتلبية الاحتياجات المعيشية المتزايدة بسبب ارتفاع عدد السكان.

فعملية مزج المجتمع الأصلي بالمجتمعات المهاجرة ودمجهم بها والانفتاح والتعرف على العادات أدى إلى الازدهار العقاري الناتج عن الطلب الملح للمساكن خاصة بعد إنشاء وتطور المشاريع الاستثمارية، وكذلك أثر كل ذلك على الحياة اليومية.

يقول لنا السويدي كارلسون وهو من سكان إحدى هذه المدن الريفية إنه في السابق “كنا نضطر لمغادرة المدينة بحثاً عن احتياجاتنا اليومية وكنا نعاني في أغلب الأوقات من عدم توفر متطلباتنا حتى في المدن المجاورة، وإذا وجدناها لم تكن حسب رغبتنا ويكون السعر كذلك باهظا وليس لك اختيارات عديدة، أما اليوم أنا سعيد، فما أحدثه المهاجرون في تنشيط الحركة التجارية أمر بالغ الأهمية، فلست محتاجا للذهاب لمدينة أخرى والخيارات واسعة والأسعار زهيدة، إضافة إلى تنوعها بحسب تنوع المهاجرين، وكأني في قرية عالمية”.

أدى انتشار المهاجرين إلى تنوع في المشاريع التي تثري النشاط التجاري مما يجعل المدينة شبه كاملة الاحتياجات، ويخلق فرص عمل بشتى المجالات.

الجدير بالذكر أن التنوع الديمغرافي للمهاجرين أحدث فرقاً شاسعاً في التعرف على ثقافات الشعوب وعادتهم ليس فقط على الصعيد الاجتماعي وإنما التجاري أيضاً، حيث يقول المهاجر السوري أبو عمر السيد طاهر “رغم أن متجري بجانب المتاجر الكبرى للمنتجات الغذائية، إلا أن الإقبال المتعطش للقاطنين في هذه المدينة من السكان الأصليين والمهاجرين على حدٍ سواء أمر لا يُستغرب منه، فعدم تنوع المواد الغذائية في المحال التجارية الأخرى يسبب حال من الركود الغذائي، وذلك لرغبتهم في التنوع المذاقي فـالمطبخ العربي له نكهته الخاصة التي تجذب السويديين لاكتشافها”.

ويحكي لنا رجل الأعمال رائد درويش أن الحياة في هذه المدن لم تعد كسابقها، والتسهيلات التي تقدمها الحكومة لاستقطاب المهاجرين كانت ولا تزال العامل الأهم في إزالة الكثير من العوائق والعقبات، ما أدى إلى السباق بين المدن الريفية لمواكبة المدن الكبرى كستوكهولم ويوتوبوري وغيرها.

وأدى انتشار المهاجرين إلى تنوع في المشاريع التي تثري النشاط التجاري مما يجعل المدينة شبه كاملة الاحتياجات، ويخلق فرص عمل بشتى المجالات ساهمت بشكل كبير في الحد من نسب البطالة، وأدت إلى تكافل استثنائي.

وفي تجوالنا في مدينة فيمريبي (Vimmerby) التقينا أيضا السيد عبد الأحد الذي يملك متجراً للخياطة وأخبرنا بدوره أنه عندما أتى إلى المدينة لم يكن هذا النشاط التجاري متوفرا، وكان الناس يذهبون إلى مدن أخرى من أجل تفصيل الملابس، وذكر لنا أنه حينما استأجر متجره لم يستطع تشغيله بسبب نقص المعدات فيه وانعدام المال الكافي لشرائها فذهب إلى بلدية المدينة، حيث مركز إدارتها وأخبرهم بوضعه لتصرف له البلدية مبلغا ماليا لشراء كل ما يلزم المتجر، لكن اللطيف في الأمر أنه بدل أن يشكر الزبائن على قدومهم، كان الزبائن يشكرونه على افتتاح متجره في هذه المدينة.
بقلم / محمد عيدروس ( مدونات الجزيرة ).....المزيد

You may also like...

error: Content is protected !!